إلى عزيزتي جَنَى
و لأنني لم أجد بعدُ من يُشبه روحي،فلا بد أن هناك روحاً تُشبهني،مازالت تبحث عني هي الأخرى،و سنلتقي يومًا ما...و لو بعد حين.
جَنَى…
ما كنتُ أظنّ يومًا أن الغياب قد يحدث بهذه الطّريقة الهادئة،
لا خِصام،
لا كلمة قاسية،
لا وداع أخير حتى…
فقط مسافةٌ صغيرة،تُركت بيننا مرّة ،ثم كبرت دون أن أشعر،حتى صرتُ أنظر إليكِ كمن ينظر إلى بيتٍ قديم كان يسكنه،و لم يعد يعرف كيف يعود اليه.
أتذكرين؟
كنّا نكبر معًا كأن العمر خُلِق لنا نحن الإثنتين فقط،منذ تلك السنوات التي كنا فيها أصغر من أن نفهم معني الصداقة اصلًا، و مع ذلك…أحببتك بالفطرة .
كبرنا،
و كبرت معنا تفاصيلنا الصغيرة؛
الضحكات التي لا يفهمها أحد غيرنا ،
الأحاديث الطويلة التافهة و العميقة التي كانت تعني لى العالم،
و ذلك الأمان الغريب الذى كنتُ أشعر به كلما رأيتكِ ، كأن الحياة مهما ازدحمت ستترك لي مكانًا بجواركِ دائمًا.
ثم جاءت تلك الإجازة …
الإجازة التي ظننتها مجرّد وقتٍ سيمر،و لم أعرف إنها كانت الحدّ الفاصل بين”نحن” القديمة،و نسختنا الغريبة هذه .
كنتُ أحارب المسافة وحدي ،
أبدأ الحديث ،افتح الأبواب ،أركض نحوكِ بحماسي المعتاد،
و في كل مرة…كنت أشعر بشيء بارد يصدّني ،
جبل جليدٍ لا يُرى،لكنه يتعب القلب.
و كنتُ غبيّة بما يكفي لأختلق لكِ الأعذار كل مرة.
اقول:ربما مشغولة ،ربما متعبة، ربما لا تنتبه فقط…
بينما الحقيقة تقف أمامي واضحة ،و انا أرفض النظر إليها خوفًا من أن تنكسر روحي فعلًا.
أتدري ما أكثرشيءٍ آذاني؟
أنني حين اختفيتُ قليلًا…لم تبحثي عني.
كلّ شيء عاد اليّ،إلا أنتِ.
و كأن غيابي لم يترك فراغاً عندكِ من الأساس، بينما غيابكِ كان يبتلعني ببطأ.
وحين رأيتكِ بعدها…
اندفعتُ نحوكِ بشوق سنوات،احتضنكِ كما يحتضن المرء شيئًا خائفًا من فقده مرةً أخري،أما انتِ …فكنت فقط تبادلين العناق .
باردة ،أقل من عادية….
كأن كل تلك الذكريات كانت تسكنني وحدي .
و لستُ غاضبة منكِ ،حقاً ،
ربما وجدتِ عالما يشبهك و نسخة جديدة منكِ لا مكان لي فيها .
هذا حقك تماما.
لكن هل تعلمين ما المؤلم؟
أنني مازلت أقف عند النسخة القديمة منك حتى الآن.
أتعلمين ما المؤلم حقاً؟
أن السنوات مرت طويلة بنا يكفي لتغير كل شيء…إلاهذا الشوق.
أربعة سنوات كاملة، مازل ذلك الإسم يمر أمامي يُربك قلبي بالطريقة نفسها،و مازلت كلما أرى شيء يشبهك،أشعر بتلك الرغبة الطفولية أن أركض إليكِ و احكي لك كل شيء دفعة واحدة،كأننا لم نفترق اصلا.
غريب الإنسان كيف يستطيع أن يعتاد غياب شخص لكنه لا يشفى منه ابدا.
مازلت كلما رأيتك،يمر داخلي شريط كامل من العمر دفعة واحدة.و مازلت كلما رأيتك اتحدث معك بطبيعتي نفسها…ثم أعود ليلًا محملة بذلك الشعور الثقيل الذي لا اعرف له اسم.
و الوحدة ليست ان تبقي وحيدا،
الوحدة الحقيقية…أن تفقد الشخص الذي كان يجعلك تشعر أن العالم ممتلئ و مفهوم.
و منذ رحيلك،و يحاولون عبثا أن يضعوا أنفسهم مكانك،و أحاول عبثا أن أجد أحدا يشبه ذلك الأمان الذي تركتيه في قلبي .
و للأسف يا جنى …
لم أجد.
ربما انتهيت من الكتابة و أنا أشعر بخفّةٍ مؤلمة …
هذه الكلمات استنزفت جزءًا كبيرًا من مشاعري .


