ليه ربنا أمر بغض البصر؟.. العلم عنده جزء من الإجابة
رحلة قصيرة تبدأ بالعين.. وقد تنتهي بالقلب
ليه ربنا قال "يغضوا" وما قالش "يغمضوا"؟
تعالى نفتكر موقف غالبًا كلنا عدينا بيه.
أنت ماشي في الشارع، أو فاتح الريلز، أو حتى مستني دورك في أي حتة، وفجأة عينك وقعت على حد شكله جذاب. في ثواني كده، ومن غير ما تاخد بالك، انتباهك كله راح ناحيته. و لا، أنت مش وقعت في الحب، ومش لازم تروح تكتب شعر، بس فيه حاجة حصلت جوه دماغك فعلًا.
ودي حاجة طبيعية جدًا.
المشكلة إن ناس كتير فاهمة إن الدين لما أمر بغض البصر كان بيقول لنا: "يلا يا جماعة، من النهارده هنعيش بنظام الخفافيش، محدش يبص على حد وخلاص."
بس الحقيقة إن القرآن ما قالش كده.
ربنا قال:
﴿قُل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾
لاحظ كلمة "يغضوا". ما قالش يغلقوا، ولا يغمضوا، ولا يعيشوا وكأنهم فقدوا حاسة الإبصار. الفكرة ببساطة إنك تشوف، آه، لكن متسيبش عينك تتحول لخاصية Auto Replay شغالة لوحدها.
لأن الغريب إن المشاكل الكبيرة ساعات بتبدأ من حاجات صغيرة جدًا.
في علم النفس، فيه ظاهرة اسمها "تأثير التعرض المتكرر" أو Mere Exposure Effect. ببساطة، مخك عنده عادة غريبة شوية، كل ما يشوف حاجة كتير، يبدأ يحس إنها مألوفة أكتر، ويميل لها أكتر.
عشان كده ممكن أغنية كنت شايفها مستفزة في الأول، وبعد أسبوعين تلاقي نفسك بتدندنها وانت بتغسل المواعين.
فما بالك بقى لما يكون اللي بيتكرر مش أغنية، بل صورة شخص معين؟
(ووه ووه هوو يا عزيزي القارئ ، يعم مش هنخبي على بعض إحنا بقينا أهل وانا عارف الدنيا ماشية إزاي )
واحدة من أخطر الحاجات في الموضوع إن العقل ساعات يخلط بين الألفة والحب، وبين التعود والتعلق.
وفجأة تلاقي نفسك مشغول بشخص أنت أصلًا ما بينك وبينه غير إنكم اتقابلتم كام مرة، أو ظهر لك كام مرة في الجامعة أو على السوشيال ميديا.
لكن خليني أقول لك حاجة أغرب.
يمكن أنت مش معجب بالشخص نفسه أصلًا.
آه، استغرب براحتك.
لأن مادة الدوبامين، اللي الناس بتحب تسميها "هرمون السعادة"، وظيفتها الحقيقية مش إنها تخليك سعيد، لكن إنها تقول لمخك: "الحاجة دي مهمة، ركز معاها، وارجعلها تاني."
وده معناه إنك ساعات ما بتبقاش متعلق بالشخص، على قد ما أنت متعلق بالإحساس اللي بيجيلك لما تشوفه.
وعشان كده، ناس كتير بعد ما يخرجوا من تعلق معين، يلاقوا نفسهم دخلوا في تعلق جديد بسرعة. لأن اللي كانوا بيدوروا عليه من البداية مش الشخص، بل الشعور اللي الشخص ده كان بيوفره.
والأغرب إن مخ الإنسان بيكره الفراغ.
لما تكون معلوماتك عن حد قليلة، مخك يبدأ يكمل القصة لوحده.
شوفته كام مرة؟ يبقى أكيد شخص محترم.
ابتسامته حلوة؟ يبقى أكيد شخصيته جميلة.
بيتكلم بهدوء؟ يبقى أكيد ناضج وفاهم.
دافع عنك ؟ دا مهووس بيا و بيحبني
وفجأة تلاقي نفسك عملت للشخص ده باقة صفات كاملة، وهو نفسه يمكن ما يعرفش إنها موجودة عنده.
وفي علم النفس، فيه حاجة اسمها "تأثير الهالة" أو Halo Effect، وهي إننا أحيانًا ننسب صفات إيجابية كتير لشخص بسبب صفة واحدة أعجبتنا فيه.
وعشان كده، ناس كتير ما بتقعش في حب الشخص الحقيقي، لكنها بتقع في حب النسخة اللي ألفتها عنه في دماغها.
وبعدين تحصل الصدمة الشهيرة:
"هو ده اللي كنت متعلق بيه؟"
لكن لو فاكر إن الموضوع بيقف عند الشارع أو الجامعة، فأحب أعرفك إن السوشيال ميديا قررت تدخل اللعبة هي كمان.
زمان، كنت تشوف الشخص مرة أو مرتين وخلاص.
دلوقتي؟ صورة، وبعدها ستوري، وبعدها ريل، وبعدها بوست قديم، وبعدها التطبيق يقترحه عليك بمنتهى البراءة، وكأن الخوارزميات قررت تساعد مخك في مشروع التعلق.
وده يخلي تأثير التعرض المتكرر يشتغل بقوة أكبر، لأن الشخص اللي زمان كنت تشوفه مرة في الأسبوع، دلوقتي ممكن تشوفه عشر مرات في اليوم.
وعلى فكرة، المخ البشري بيستمتع بالتوقع والترقب بشكل كبير. وعشان كده، ساعات الخيال نفسه بيبقى أجمل من الواقع.
فتلاقي الإنسان عايش على "يا ترى لو"، و"ممكن يحصل إيه"، و"أكيد لو عرفنا بعض هيحصل كذا".
لدرجة إن بعض الناس أول ما تدخل في علاقة حقيقية، تكتشف إن جزءًا كبيرًا من تعلقها كان متعلقًا بالخيال، مش بالشخص نفسه.
وده تقريبًا السبب اللي يخلي النبي ﷺ يقول لسيدنا علي رضي الله عنه:
«لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليست لك الآخرة».
كأن الفكرة كلها مش إنك تمنع عينك تشوف، لكن إنك متديش لعقلك فرصة يحول ثانية واحدة إلى فيلم كامل من إنتاجه وتأليفه وإخراجه.
وعشان كده، يمكن غض البصر عمره ما كان عقوبة، ولا حرب ضد الفطرة، ولا محاولة لتحويل البشر إلى تماثيل رخامية.
بالعكس.
يمكن كان تدريبًا على حاجة أعمق بكتير.
على التحكم في الانتباه.
إحنا عايشين في زمن كل حاجة فيه بتتخانق على عينك.
إعلانات، إشعارات، فيديوهات قصيرة، محتوى معمول مخصوص علشان يخطف انتباهك لأطول وقت ممكن.
فالقدرة إنك تقول لعقلك: "لا، مش كل حاجة شدت انتباهي لازم أخليها تشد قلبي كمان"، دي مهارة نادرة.
لأن الإنسان اللي ما يعرفش يتحكم في انتباهه، هيلاقي صعوبة إنه يتحكم في مشاعره.
واللي ما يعرفش يتحكم في مشاعره، هيفضل يجري ورا كل حاجة لامعة، حتى لو ما كانتش ذهب أصلًا.
فربما الحكمة مش إنك متشوفش.
الحكمة إنك متسيبش كل حاجة تشوفها تاخد مكان أكبر من اللي تستحقه جوه قلبك.




المقال جدا جدا جميل و شرحتي غض البصر بطريقة جميلة و لامستني العبارة هذي جدا (واللي ما يعرفش يتحكم في مشاعره، هيفضل يجري ورا كل حاجة لامعة، حتى لو ما كانتش ذهب أصلًا)
حقيقي مقرأتش قبل كدا عن غض البصر زي كدا، من نواحي كتير مش من ناحية دينية وحرمانية وبس!
فهمتي الواحد حاجات كتير و وسعتي مداركه وخليتيه واعي بحاجات مكانش واخد باله منها ولا كان هيتوقع إن كل بسبب " إطلاق البصر " !
جزاكِ الله خير وربنا ينفع بيكي وكترلنا من الحاجات دي 🤍